الخميس، 23 أبريل 2020

الدكتور منصور خالد

الدكتور منصور خالد
(1931-2020)

وُلِدَ دكتور منصور خالد محمد عبدالماجد حامد بحي الهجرة بأمدرمان، ونشأ وتربى تحت عناية وإشراف والده وأعمامه في بيئة دينية وأسرة يغلُب عليها طابِع الزهد والتصوف وإحتوت، في فترات لاحقة، عددا مُقدرا من العلماء والأدباء والمعلمين وكبار الأفندية في الدولة. وعلى الرغم من بعض إهتمام في بواكيرِ صباه بالفنون الجميلة إلا أنه تخير دراسة القانون بعد أن أكمل تعليمة الأولي ثم الأوسط بأمدرمان الأميرية والثانوي بمدرسة وادي سيدنا ومن ثم قبوله بكلية الحقوق بكلية الخرطوم الجامعية (كلية غوردون) مزاملا، حينها، الدكتور حسن الترابي ورئيس القضاء الأسبق خلف الله الرشيد ووزير العدل الأسبق عبدالعزيز شِدو. ظهرت أولى بوادر معالم نبوغه و سطع نجمه علي أيام الدراسة وبخاصة صولاته وجولاته المشهودة بالجمعيات الأدبية. وأكثر ما لفت الإنتباه إليه، في ذلك الشأن، تميزه بالبحث والتقصي ودقة التحليل والسعي وراء الحقائق معززا كل ذلك، لاحقا، بمقدرات عالية في الكتابة "قوامها سلامة اللغة وجمال البلاغة وسعة التخيل“. وعلي أيام الدراسة تلك، ومع تأزم الصراع الأزلي بين الإخوان المسلمين وفصائل الحركة اليسارية، ناهض منصور كلا تياري الأخوان المسلمين والشيوعيين بالجامعة ما قاده وآخرين لإنشاء ما يسمى بجماعة المستقلين، وهو إتجاه وموقف مغاير ضد الإيديولوجيات نابع من قوة إيمانه بمبدأ (إستقلال الرأي) والبعد عن الإستقطاب. في تلك الفترة، كذلك، وجه إهتمامه للصِحافة فعمل مراسلا مستقلا لعدد من الصحف اليومية السودانية، منها صحيفة (النيل) الناطقة بلسان جماعة أنصار المهدي، و كذا صحيفة (المستقبل) لصاحبها الشريف حسين الهندي. لم يطل بمنصور الوقت في عكس إتجاهاته، إذ سرعان ما أصبح مراسلا لوكالة الصِحافة الفِرنسية (AFP) مقيما بالخرطوم ما حفّزه
للسعي لتعلم اللغة الفِرنسية بالمركز الثقافي الفِرنسي بالخرطوم. بتخرجه في العام 1956 وخلال تلك الفترة، إنخرط في ممارسة العمل القانونِي بعد إتاحة سانحة له بذلك بمكتب المحامي فاروق أبو عيسى، ثم المحامي إيميل قرنفلي ثم مع  المحامي الفاتح عبود قبل أن يتولى مهمة التعاون مع مكتب رئيس الوزراء، حينئذ، الأميرلآي عبدالله بك خليل (56 -1958). فيما بعد، أُتيحت له الفرصة للحصول علي منحة دراسية لتعلم الفرنسية بمعقلها فرنسا. تلك كانت سانحة أخرى له، بجانب ممارسة وإجادة اللغة الفِرنسية لإستغلال وجوده بعاصمة النور "باريس" لفتح آفاق جديدة تتنامى وتتعدد فيها إهتماماته وبخاصة إتاحة أبعاد جديدة أمامه في الثقافة الأفريقية وذلك من خلال عمله اللّصيق مع مجلة Présence Africaine ومقرها باريس؛ ما وسع بشكل مضطرد من دائرة صداقاته إلي حد بعيد. إلتقي في غضون ذلك مرة أخرى بالدكتور حسن الترابي، والذي كان يدرس حينها للدكتوراة في القانون الدستوري وأصبحت له مع الرجل علاقة صداقة متينة ليستمر إتصالهما بشكل منتظم حتى بعد مغادرته باريس للجزائر. قرر بعدها السفر لأمريكا وإلتحق فيها بجامعة بنسلفانيا بولاية فلاديلفيا حيث نال إجازة الماجستير في القانون الدولي. ثم تمكن، لاحقا، من الحصول علي منحة دِراسية أخرى في النظرية الإقتصادية بنفس الجامعة. كان قد تزامل، أثناء ذلك، مع نبيل شعث وزير التعاون الدولي في السُلطة الفلسطينية، سابقا. وبنفس الوقت، تم ترشيحه بتوصية من أحد أساتذته بالجامعة (وهو من مستشاري الأمم المتحدة) للعمل ضابطا بالإدارة القانونية بالأمم المتحدة ليصبح بذلك أول إفريقي، بل الوحيد حينها، الذي ألحق بهذا القسم. كانت أولى مهامه معالجة قانونية لأزمة الكونغو. ثم تم إختياره، فيما بعد، للعمل بممثلية الأمم المتحدة بالجزائر. بجانب العمل الدبلوماسي، أعطت الأيام الأولى لإستغلال الجزائر فرصة لدكتور منصور لصقل قدراته الصدئة في الفرنسية قبل أن يغادرها، بوقت قصير، بعيد واقعة إطاحة الرئيس هواري بومدين لحكومة الرئيس بن بيلا. وللحقيقة، كانت فترة إقامته بالجزائر ذات خصوصية، بل كانت من أكثر سنوات حياته عائدا، لا سيما لما كان لها من فضل في تمكنه من خلق علاقات صداقة أكثر قربا وديمومة منها صداقته مع وزير الخارجية عبدالعزيز بوتفليقة (الرئيس الجزائري السابق)، ثم مع دبلوماسيين جزائريين عريقين أمثال محمد سحنون و الأخضر الإبراهيمي (مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة). عاد منصور لباريس لمواصلة أطروحته للدكتوراة وإلتقي عددا من المثقفين العرب ما مكنه من إحياء صداقات قديمة وخلق أخرى جديدة من بينها علاقة مميزة مع عدد من صفوة المصريين لُطفي الخولي والدكتور عصمت عبد المجيد، وأحمد بهاء الدين. أيضا، تم إلحاقه بمنظمة اليونسكو بنفس الوقت الذي كان يعمل فيه لأكمال العمل بالدكتوراة. غادر فرنسا للولايات المتحدة، بعد حصوله علي الدكتوراة من جامعة باريس، بعد أن قبل وظيفة بجامعة كولورادو للعمل أستاذا للقانون الدولي، وكذلك دعوة للتدريس بدورة في قانون المؤسسات الدولية. عاد مرة أخرى لباريس لمواصلة عمله باليونسكو وإلتقى الدكتور مصطفي كمال طُُلبة، وزير البحث العلمي بمصر وهو عضو بمجلس إدارة منظمة اليونسكو، والذي تعرف إليه ونشأت بينهما صداقة إستمرت لفترة من الوقت. خلال تلك الفترة وعلى أيام أيام الصراع الحزبي المتقد و تفاعل قضية الحزب الشيوعي السوداني بالبرلمان، نشر دكتور منصور مقالات بصحيفة الأيام (يناير 1969) متنبئا فيها بزوال الحكم الديموقراطي نتيجة المشاحنات الحزبية والعداء الطائفي وعدم إحترام الأحزاب لمبدئي الديموقراطية واستقلالية القضاء (والذي تمثل في واقعة طرد الحزب الشيوعي الشهيرة من البرلمان وتنفيذ ذلك بتعديل الدستور)، إضافة إلى تحقير القضاء الذي حكم بعدم دستورية تلك الأفعال، وإستقالة رئيس القضاء وقتها، بابكر عوض الله، تبعا لذلك. أعقب ذلك مباشرة إطاحة الجنرال نميري للحكم القائم وإعلان بزوغ مايو الإشتراكية وتهيئة أجواء مناسبة لذلك للدكتور منصور للعودة للسودان، ثم قبول الدعوة للإنخراط في الحكومة الجديدة في العام 1969 متخيرا أن يكون وزيرا للشباب والرياضة والشؤون الإجتماعية. ويسجل التاريخ أن قطاعات الشباب قد شهدت إبان وجوده على قمة الوزارة نهضة كبرى تمثلت في تفعيل الشباب في الخدمة الطّوعية (صيانة الطرق وبناء المشافي والمدارس الخ ..)، وفي إنشاء مراكز الشباب، مراكز التأهيل، ومحو الأمية. كما أنه قد أسهم في خلق علاقات قيمة وناجحة مع هيئة اليونسكو، ومنظمة العمل الدولية، وكذا مع حكومات مصر، الجزائر، و كوريا الشمالية).  ولعب دوراً مشهوداً في انجاز اتفاقية أديس أبابا في 1972 لحل الخلاف مع ثوار جنوب السودان. واختلف بعدها مع الجنرال نميري وإضافة لمعارضته
لقوانين سبتمبر الإسلامية والتي مهدت، لاحقا، لإنتفاضة أبريل الشعبية الشهيرة عام 1985 ومن ثم إنهيار النظام كليا تبعا لذلك ما قاد منصور لأن يدرك بأن طاقته وطموحه لن يستقيم لهما شأن ما لم يغادر موقعَه بعيدا عن دوائر الحكم والسُلطة والجبروت. ويرى كثيرون أن مشاركة الدكتور منصور بالنظام المايوي كدبلوماسي وكاتب وسياسي ومفكر (مثير للجدل) وبحجم خطورة مناصبه المحلية والعالمية التي تقلّدها كانت "تجربة قصيرة غير موفقة في العمل تحت سقف نظام حاكم مهترىء". هذا بجانب التحاقه ولسنوات بحركة قرنق مما زاد الهجوم عليه بإعتباره من مدمني الانظمة الشمولية. ولم يكف منصور عن مقارعة الأنظمة المتعاقبة ونقد السياسة السودانية ونفقها المظلم، فألف عددا من الكتب والمقالات حول تلك السياسة - باللغتين العربية والانجليزية - نُشرت بالصحافة المحلية والدولية إبتدرها بمقالاته المثيرة للجدل (حوار مع الصفوة) بصحيفة الأيام. بنفس الوقت، نشر العديد من المقالات والتحقيقات في الحوليات الدولية عن قضايا التنمية والسياسة في العالم الثالث.

البقية
👇👇👇👇👇
الدكتور منصور خالد
(1931-2020)

-2-

واقع الحال أن دكتور  منصور، بعلمه "الموسوعي وثقافته الواسعة وعلاقاته الدولية، قد أثرى المكتبة السودانية بعدة مؤلفات يمكن أن تؤسس لنمَط الكتابة ذات المعلومات المكثفة والتدوين الجيد للأحداث والوقائع واللغة الجزلة القوية ذات العبارة الواضحة الرشيقة، بغض النظر عن  إختلاف الناس أو إشتجارهم حول مضمون هذه الكتابات". إشتهر منصور بسلامة اللغة وجمال البلاغة وسعة التخيل ودقة التحليل، وسخر كل ذلك بتكريس معظم عمره، تقريبا، لأجل إعلاء قيم العدالة وإستبانة ورصد مواطن الفساد والإفساد بالدولة. ولعل في موقفه المشهود في تنظيم حملة تضامن لانقاذ حياة المرحوم محمود محمد طه دليل على ذلك. وقد إستطاع، بفضل أمانته الأدبية وحسه التوثيقي، أن يدون لجزء مقدر من تاريخ الدولة السياسي خلال الحقب المتتالية في عدد من الإصدارات من بينها كتابه المرسوم الآخر (السودان والنفق المظلم). وقد أوغل منصور في مجالات التأليف حتى كتب في القضايا الفلسفية الدينية (أو السياسة الإجتماعية). كما لم يمنعه كل ذلك من الإلتفات أكثر لمراجعة وتحقيق بعض المخطوطات الأسرية ومنها تحقيقة لمخطوطة ”السيرة الماجدية“ التي جمعها في كتاب من أجزاء ثلاث (الثلاثية الماجدية) قرظه البروفسور الدكتور عون الشريف قاسم، والذي يذخر بمجموعة إفادات وشهادات عن تاريخ الأسرة مذ إنتقالها من شمال
شمال السودان إلى وسطه بسنار ومتعرضا، أيضا، لسيرة ومناقب جده (لأبيه) الفقيه العالم الشيخ محمد عبدالماجد (ود عبدالماجد) حامد وإبنه الفقيه العالم الشيخ عبدالعزيز "الدباغ" محمد عبدالماجد و كذا لجده (لأُمه) الأديب العالم الفقيه الشيخ أحمد الصاوي عبدالماجد حامد. وتزخر تلك السيرة بأجزاء من أشعار الشيخ أحمد الصاوي في النبويات والاجتماعيات نشرت للمرة الأولى عام 1351هـ بمطبعة النهضة. يحوي الديوان "أهم ما جادت به قريحة الشيخ الصاوي من شعر رصين شبيه، من حيث البناء، بالمدائح النبوية لجهة التدفق و الغِنائية وحماسة.

ربطتني به علاقة مستمرة خلال عملي في سكرتارية التجمع الوطني الديمقراطي (1990-1996)، وفي مشاركته المستمرة في اغلب فعاليات منظمة *مواطن*.

كان المرحوم منصور شخصية مثيرة للجدل، ومختلفة. لم ينسى له الناس دوره في محاكمات الشجرة بعد هزيمة انقلاب يوليو 1971 ودوره في تصفيه قياداتها. واثيرت حولها اتهامات كثيرة من الارتباط المشبوه بالمخابرات العالمية ونهاية بإدمان خدمة الفكرة الشمولية وعدم ايمانه بالديمقراطية، واعلان عدم اقتناعه بمؤسسة الزواج وامتناعه بإصرار وعناد على مباركته.

له الرحمة

ليست هناك تعليقات:

مشاركة مميزة

في قعر ركوبة ست الشاي

 في قعر راكوبة ست الشاي جمبت ستنا                             مآآآآآآآ حارتنا  و بِنريدآآآآآآآ    !!!!!!! لبعض الأوباش في حارتنا وحدتنا الذي...

Post